مهمة الثورة الملحة.. مقال لأنس القاضي

وما يسطرون – أنس القاضي – المساء برس|

إجراء التحولات الاجتماعية الاقتصادية في البلد

(أ) مسألة التخطيط

إن أسبقية السياسة على الاقتصاد في البلدان النامية تضمن في ظل وجود القيادة الثورية المخلصة تهيئة الظروف الضرورية لأجل التغلب السريع على التخلف في كافة مجالات الحياة الاجتماعية وتوطيد الاستقلال السياسي والاقتصادي ورفع المستوى المادي والثقافي للشعب، وهي المسألة الهامة فيما يتعلق بالتحولات الاجتماعية الاقتصادية عموماً في بلادنا حيث تبرز الحاجة إلى الإرادة السياسية الثورية المنحازة مطلقاً إلى الشعب والمعتمدة عليهم في تنفيذ هذه السياسات التي رفعت كشعارات في الثورة واستقطبت الجماهير حينها.
إن إعادة فلسفة الاقتصاد من “اقتصاد السوق الحر” إلى الاقتصاد المخطط ليس فقط إعادة للاعتبار لخيار الشعب اليمني الذي أقره في التصويت على دستور الوحدة عام 1991م الذي نص على أن الاقتصاد اليمني اقتصاد مخطط، إلى جانب ذلك فإن تخطيط الاقتصاد مسألة ضرورية من أجل إنجاز المهام الثورية بما يخدم مصالح الشعب اليمني عموماً وطبقاته المنتجة والكادحة خصوصاً وهي غالبية الشعب في الريف والمدينة، ومن أجل بلوغ الأهداف المحددة بأقل كلفة ووقت وجهد على نحو أكمل.
تحظى فكرة التخطيط باهتمام واسع في العصر الحديث فهي سمة العصر في ارتباطها بالنشاط الإنساني، وتدرك البشرية أهمية التخطيط عند وعقب كل ممارسة منهجية، حيث تبرز الحاجة إلى تنسيق نشاط العاملين في كافة مراحل الإنتاج والبناء وتقديم الخدمات، وتغدو الحاجة ملحة إلى التخطيط إبان الثورات التحررية والحاجة إلى تطوير الاقتصاد والارتقاء به والاستقلال عن الهيمنة الأجنبية، وذلك بتجنب الفوضوية والعشوائية في النشاط الاقتصادي عموماً وامتلاك القدرة على مقاومة العقوبات الاقتصادية الأجنبية والقوى الطفيلية المحلية التي تمثل ركائز لاستعمار الجديد.
تضمن عملية التخطيط إمكانيات كبيرة لأجل الإدارة العلمية لتطوير الاقتصاد ولأجل الاستخدام الواعي والعقلاني للمواد الخام والموارد المالية والأيدي العاملة، وإعادة النظر في الوظائف التي تقوم بها هيئات الدولة الاقتصادية وأنشطة القطاع الخاص.
إن التخطيط يشمل كل الأنشطة والمجالات والأهداف الاقتصادية الصناعية والزراعية والسمكية والتجارة الداخلية والخارجية وتحقيق التراكم المالي وفي المجالات العلمية والثقافية، فهو البصيرة التي تمضي على ضوئها الأنشطة الاقتصادية والخطط المزمنة الخمسية عادةً.
وفي عملية التخطيط على الدولة أن تقوم بالموازنة في خططها الاقتصادية بين حاجات المجتمع المتزايدة وبين الإمكانات المتاحة بهدف تلبية هذه الحاجات، وبحيث تتفق هذه الموازنة بصورة فعالة مع العمل ووقت العمل الاجتماعي، أي أنه ينبغي تأمين أولاً الزيادة المستمرة للإنتاج الاجتماعي بشكل متناسب ومتوازن، ثانياً زيادة فعالية الإنتاج عن طريق الاستفادة بشكل متزايد من منجزات الثورة العلمية التكنولوجية في سبيل الحصول على منتجات أكثر بنفقات أقل من العمل والأموال.
مبدأ المركزية الديمقراطية
يعد مبدأ المركزية الديمقراطية أهم مبادئ التخطيط الفعال، ويتضمن هذا المبدأ جانبين مترابطين عضوياً يشترط كل منهما وجود الآخر، فالديمقراطية ترعى مساهمة الجماهير العاملة في التخطيط، بينما تحدد المركزية خضوع والتزام الهيئات الدنيا للعليا (الخطط بعيدة الأمد والمتوسطة والجارية)، مع مراعاة المشاركة الفعالة للهيئات الدنيا في وضع ومناقشة التوجيهات والخطط، وبذلك يتوفر النظام المتناسق لإدارة الاقتصاد الذي يعكس المصالح الجماعية والفردية في آن.
ومن المهم أن يكون هناك مضمون اجتماعي واقعي وعادل في عملية التخطيط، ولا يأتي على حساب الطبقة الشعبية، فمن المهم في عملية التخطيط التنبه إلى ما يلي:
• تحديد وتائر نمو الدخل الوطني والتأكد من أنها لن تؤدى إلى تقلص الاستهلاك الضروري للجماهير الشعبية، أي لا يؤدي توجه الموارد نحو أحد فروع الاقتصاد أو إعادة تنظيم حركة السوق إلى التأثير على قدرة المواطنين على الاستهلاك اليومي.
• استخدام الطاقات الإنتاجية المتوفرة والتوظيفات الأساسية بما فيها الكفاءات العلمية والإبداعية استخداماً فعالاً فالواقعية والتحديد الملموس أهم ما في التخطيط، أي السعي إلى الحصول على النتائج القصوى من الموارد المتوفرة.
• تأمين مقادير ضرورية من التراكم وعدم اللجوء إلى القروض الأجنبية المفرطة أو الاعتماد التام على المساعدات والمنح والهبات وغيرها من وسائل تصدير رأس المالي -التي ليست مضمونة وقد تنقطع- والتي تفتح أبواباً للتدخلات الأجنبية في الشأن الاقتصادي الاجتماعي.
• ضمان ميزان تجاري خارجي في سعي دائم لتفوق التصدير على الاستيراد.
• التحليل المستمر للتغيرات في اقتصاد البلاد.
• تحديد الفروع الرئيسية والأكثر أهمية وتهيئة الظروف لأجل تطويرها.

ب-السياسات الاقتصادية العامة

على الدولة في سياستها العامة أن تعمل على تعزيز وتطوير قطاع الدولة العام في مجال الصناعة والنقل(شق الطرق وتطوير وسائل النقل) والاتصالات لكونها إحدى المهمات الأساسية فالتحولات الاقتصادية العاجلة والآجلة وتحويل الشعب اليمني إلى شعب عامل منتج مبدع متسلح بالمعرفة وآخر منجزات العلم، تتعلق بدرجة كبيرة بنجاح تحقيق هذه المهمة.
تبرز أمام الدولة مهمة تحقيق وتأمين المصالح والاحتياجات الحيوية للطبقة العاملة والفلاحين والصيادين والموظفين الحكوميين بما فيهم الطلاب والباحثون والأساتذة والدكاترة والفنانون والمثقفون الثوريون، وسائر المستضعفين من خلال الاستفادة المثلى من جميع الموارد الداخلية والخارجية للبلاد، وبناء الاقتصاد الإنتاجي الحديث بما يتناسب مع الإمكانيات الموضوعية المتوفرة في اليمن، من أجل تعزيز القاعدة المادية والتكنيكية للاقتصاد الوطني وتأمين التقدم في اتجاه الاستغناء عن السلع الاستهلاكية المستوردة وتحقيق الوفرة السلعية من أجل سد رمق الفقراء والرفاه العام.
ومن السياسات الهامة تأمين التطور الثابت المبرمج لقطاع الدولة والقطاع التعاوني ورفع دورهما وفاعليتهما ونفوذهما باستمرار وسيادة الدور القيادي لقطاع الدولة بما يمكن من تعزيز وتطوير الاقتصاد الوطني بوتائر عالية وفق سياسات علمية تتوخى المصلحة الاقتصادية للتراكم المالي للدولة باعتبارها ثروة اجتماعية.
ومن السياسات الهامة الاستفادة من إمكانيات وقدرات القطاع المختلط والقطاع الخاص واستقطاب رؤوس الأموال اليمنية المغتربة للمساهمة في الإنتاج الصناعي والزراعي، ضمن خطط التنمية في ظل رقابة حكومية ونقابية صارمة لصالح تعزيز الاقتصاد الوطني واستخدام كافة الموارد المادية والمالية بدرجة أكبر من العقلانية والجدوى في بما يتلاءم ويلبي احتياجات الجماهير الشعبية.
وكذلك رفع إنتاجية العمل في المرافق الصناعية والزراعية والسمكية التابعة لقطاع الدولة وكافة الاقتصاد الوطني، من خلال الاستفادة الكاملة من الطاقات الإنتاجية القائمة وإدخال التكنيك الجديد ومن خلال ايجاد الموقف الواعي من العمل وتحسين وتنظيم العمل والاستفادة القصوى من وقت العمل.
كما تبرز أمام الدولة مهمة تأميم واحتكار الدولة لكل الأنشطة الاستخراجية النفطية والمعدنية والإسمنت باعتبارها ثروات قومية خاضعة للسيادة، (باستثناء كسارات الحجارة مع فرض ضريبة تصاعدية عليها وإلزامها بعدم رفع الأسعار)، وكذلك احتكار الدولة لكل ما يرتبط بهذا النشاط من شركات الخدمات النفطية وأساطيل نقل وتسويق النفط والمشتقات النفطية في التجارة الداخلية والخارجية، وانتزاعها من قبضة الشرائح الطفيلية الاستغلالية المرتبطة بالاحتكارات الغربية، واستعادة ما راكموه من ثروة غير مشروعة طوال الفترة السابقة للثورة عبر الاحتكار والاستغلال وعلاقات الفساد بالارتباط مع النظام السياسي والدول الأجنبية التي كانت تمارس الوصاية على اليمن.
ومن السياسات العامة للدولة في المجال الزراعي، زراعة المحاصيل ذات الغلة الوفيرة بما يلبي الاحتياج المحلي، والتركيز على بعض المنتجات الزراعية ذات المردود المالي المميز من أجل التصدير دون أن يعني ذلك الوقوع في الزراعة الأحادية -التي تفرضها السياسات الاستعمارية للإبقاء على كل دولة كمستودع لصنف من المواد الخام المطلوبة لهم- والتشجيع على التقليل من انتشار شجرة القات ومنع التوسع في زراعتها، وزراعة الخضروات والفواكه والحبوب عوضاً عنها.
وفي مسألة التمويل من المهم منع الفوائد الربوية على القروض المالية وديون المواد الخام ووسائل الإنتاج المستخدمة في الصناعة والزراعة، وتوسيع أنشطة بنك التسليف التعاوني الزراعي ليشمل الصناعة ويركز جهوده على تمويل المشاريع الإنتاجية بصورة أساسية.
وتبرز ضرورة تأميم الشركات الكبرى التي ظهرت من مصادر مالية غير مشروعة ومجرمة قانونياً بواسطة الاستغلال والاحتكار والفساد المالي والإداري، وتحويل رأسمالها إلى القطاع العام، ومن المهم أيضاً إعادة تنشيط المؤسسة الاقتصادية اليمنية باعتبارها أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وأحد أشكال الملكية الاجتماعية العامة للشعب.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف