طريق الحرير الجديد؛ الجغرافيا السياسية و الحرب الهادئة

أسامة عبد الرحمن جميل – وما يسطرون – المساء برس|

 

سيطرت البحار على اقتصاد العالم وطرقه بشكل مطلق في الخمسة القرون الاخيرة، تصاعد الصراع بين القوى البحرية الجديدة حتى استقر الأمر لبريطانيا أولا ثم ورثتها امريكا، لكن قبل أن يصبح الامر كذلك لم تكن القوى البحرية تسيطر على العالم بشكل مطلق كما اصبح الامر لاحقا في القرن التاسع عشر لما عرف لاحقا بقرن السلام البريطاني.
هيمنت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس على البحار واهم المدن الساحلية على طرق التجارة، وطوال ذلك القرن لم تحدث فيه حرب معادية واحدة ضد الامبراطورية بينما خاضت حروبها التوسعية في كل قارات الارض وبدأت بتطوير نظم الملاحة وطرق دراسة علوم الجغرافيا وربط الاقتصاد والسياسة باستراتيجيات البحار حتى انتهى القرن التاسع عشر باكثر نظرية سياسية متكاملة لإعادة صياغة خريطة العالم والسيادة عليه وتوسيع نطاق الهيمنة لتشمل اليابسة ايضا وتعيد ترتيب الخريطة العالمية لتصبح مراكز العالم في اقاصي الجنوب حيث تمر خطوط الملاحة البحرية.
خسرت كثير من الامم الاهمية التاريخية لمواقعها واصبحت في مكان قصي لا قيمة كبيرة للارض فيه حيث الزراعة غير مجدية ولا طريقة سهلة لتسويق ما ينتجه اولئك الذين يسكنون بعيدا عن طرق التجارة.
الاستراتيجية الناعمة مقابل اعادة تشكيل الخريطة:
يمكن القول بكثير من الاسترخاء ان مكيندر الصحفي الحربي البريطاني في الجيش الملكي وعالم الجغرافيا في الاكاديمية الملكية هو المؤسس وصاحب النظرية التي بنيت عليها علم الجغرافيا السياسية وهو العلم الذي يدرس حتمية الجغرافية وطبولوجيا الارض على شكل الصراع العالمي واسباب اختلاف ثقافات السكان وعلاقة الارض بذلك الاختلاف وايضا علاقة التضاريس بالصراع ومشاكل الاتصال والانفصال الجغرافي بتشكل الامم والشعوب، يفترض علم الجغرافيا السياسية انك بمجرد النظر لخريطة مجسدة*، يمكنك تحليل طبيعة الصراع في دولة ما وتحديد بؤر الصراع ومناطق انتشار السكان وسياسة البلد العسكرية وفرص تقدمها ثم علاقتها بالدول المحيطة.
يصنف علم الجغرافيا السياسية البشر إلى تصنيفات مرتبطة بالجغرافيا بعيدا عن العرف والدين ليسهل تعريفهم وتحديد مكامن القوة والضعف، سكان جبال، سواحل، وديان، صحاري، مدن، من خلال طريقة توزعهم ومدى اتصالهم.
تستخدم القوى الامبريالية الجغرافيا السياسية لفرض هيمنتها العالمية، بينما ترفض الشيوعية فكرة حتمية الجغرافيا السياسية، وقدمت نظريات لدحض تلك الحتمية، من خلال مداخل اقتصادية واجتماعية وجغرافية تجعل من أنماط الاقتصاد الرأسمالي ومراحل تطوره سبب رئيسي للصراع وليس الحتمية الجيوسياسية.
بينما أظهرت الحرب العالمية الثانية نهج جيوسياسي واضح للاتحاد السوفيتي من حيث انتقائية مراكز الحلفاء وتغليب أهمية الموقع على الأسباب القيمية الأخرى ، كان الثقل الجيوسياسي هو التفسير المنطقي الوحيد لفهم نهج التوسع والانتشار سواء في دول حدود الاتحاد او تلك الواقعة خلف البحار.
بينما جاءت النازية وهي خليط بين الاثنين (الشيوعية والرأسمالية) لتعترف بهذا العلم كمحرك رئيسي للصراع الدولي وان التغلب على الخريطة السياسية الموجودة والسيطرة على القوى البحرية العظمى وتأمين بحارها واعادة احياء الطرق البرية القديمة، بانها الوسيلة الوحيدة الممكنة للتغلب على الهيمنة البريطانية المطلقة للبحار والسماح لقوى عظمى جديدة البروز على المشهد الدولي الجديد، تطلب الأمر تغيير في طريقة إدارة البلد والاقتصاد والحكومة ونظام الدولة وتقسيم السلطات .
أنتجت النازية نظرية السوق الحر الاشتراكي وهي مزيج من الرأسمالية المقيدة مع تدخل حكومي كامل، مزيج من الاشتراكية والرأسمالية جعل هتلر يحقق معجزاته الاقتصادية التي نقلت ألمانيا من الفوضى والفساد والافلاس والانهيار الى التقدم الاقتصادي والعلمي (بالمناسبة تتبع الصين نفس النظرية الان)، ثم الانتقال لمنافسة الحضارات الأخرى بل والتفوق عليها خلال فترة اقل من خمس عشر سنة.
اهتم هتلر هو الآخر بالجغرافيا السياسية كثيرا وكان هاوس هوفر هو المنظر الرئيسي لها وعلى أيدي طلابه وضعت خطط الحرب والاجتياح السريع، ويقول بعض المؤرخين انه لو لا انحراف هتلر عن خطط واستراتيجيات هاوس هوفر التي كان أهمها عدم مهاجمة روسيا لكانت ألمانيا هي من يحكم العالم اليوم (انا اميل لهذا الرأي كثيرا).
بالطبع لا يمكن الاعتماد على فكرة واحدة لقيادة أمة، لنقل شعب الى مصافي الحضارة والتطور او الدخول في مراحل الاقتصاد الصناعي والتكنولوجي والمعرفي ،حيث الاقتصاد والإدارة ونمط الحكم وقوة واستقلال وحياد الجيش هي الوسائل المناط بها تغيير كل شيء . فلا تنمية بدون استقرار سياسي ولا اقتصاد جيد او قوانين جيدة بدون سلاح جيد لتطبيقها وحمايتها.
الماكندرية:
تتلخص فكرة مكيندر بحتمية الصراع بين القوى البحرية العظمى التي كان على راسها في حينها بريطانيا وفرنسا بينما تتزعم روسيا وألمانيا القوى البرية العظمى، ولأن القوة البحرية يرتكز ثقلها على البحار تحرص على تحويل الاقتصاد العالمي نحو البحر وتجعل المدن البحرية مركزية في أي دولة وتنظم الاقتصاد ليصبح سلس في اتجاه الساحل ولكي تتأكد القوى البحرية من سلطتها على هذا العالم البحري، فإنها تمتلك استراتيجية قتالية بحرية تقوم على حاملات الطائرات والمقاتلات الجوية الحديثة والمدمرات البحرية بينما تتجنب المواجهة مع الجيوش البرية التي ترتكز على السلاح التقليدي والجنود وحروب المشاة الكثيفة والغواصات.
ولأن القوى البرية ترتكز أيضًا على الجيوش الكثيفة والدبابات والمروحيات والالغام والصواريخ، تبقى القوى البحرية دائما على عداء استراتيجي مع القوى البرية التي من الممكن أن تسيطر على مناطق واسعة في البر قبل أن تتمكن من مواجهتها وقد كانت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية خير مثال على الامر .
وفقا لهذا المفهوم ظلت القوتين في حالة عداء استراتيجي تجعل من الصراع العالمي والتحالفات والسياسة قائمة على المنهجية نفسها وتتكرر الحروب الكبرى عبر التاريخ الحديث وفقا لمفاهيم الحروب الاستباقية ما يجعل الصراع نحو الهيمنة العالمية الطريق الوحيد للسيطرة الاقتصادية وفرض النماذج الأحادية.
فرضت فكرة مكيندر الجيوسياسية نفسها على العالم وجعلت حالة تهديد السلم مستمرة، والضربات الاستباقية لأي نماذج طموحة قادمة أولوية قصوى، مما يجعل حالة السلم الدولي دائما في وضع خطر وغير قابل للاستقرار.
في المقابل يقدم منظري طريق الحرير الجديد نموذج الاستراتيجية الناعمة التي تتغلب على عوائق الجغرافيا عن طريق كسرها ماديا من خلال ربط الفجوات بالجسور والسهوب والصحاري وبسكك القطارات، واختراق الجبال بالأنفاق وربط القارات من خلال الجسور المعلقة عبر المضايق وأنفاق تحت البحار، والدفع بمفاهيم المصالح المشتركة حيث الاقتصاد المشترك والمصالح المشتركة التي تربط الجميع على خط تجارة واحد بعيدا عن عوائق الجغرافيا وحتمية الصراع (نظرية التاشبك الاقتصادي).
يطمح الصينيين الى تجنب الصراع وحل المشاكل الماكيندرية التي طورها الزمن والارث الثقيل للقوى البحرية بين الدول والتي تكون سبب دائم للصراع وإهدار الموارد نحو الأمن والجيش وتحويل الثروات الى الاستثمارات الخدماتية المالية والتكنولوجية سريعة الاستهلاك دون وجود اقتصاد مادي حقيقي (اقتصاد فيزيائي) بسبب تقلص المساحة الممكنة للاستثمار نتيجة لشكل النظام العالمي الحالي وارثه الثقيل، يقول الصينيين إن مشاكل الإرهاب والقلق الأمني القائم على الجريمة المنظمة ناتج عن نفس الخلل واهمها البطالة المرتفعة في الدول الأقل نموا والتي توفر بيئة خصبة للارهاب، والناتجة اساسا عن هذا النموذج الاقتصادي الفقاعي المرتكز على التيسير الكمي، والذي يقلص من الحاجة للعمالة البشرية الكثيفة ليحمي نفسه من تركز القوة بيد الطبقات العمالية، ويدفع نحو العوائد المرتفعة والسريعة بمخاطر عالية جدا تشكل تهديد مستمر للاقتصاد العالمي بحيث يمكن ان تدخله في دورات الأزمات الطاحنة والتي قد تكون الأخيرة في أي لحظة نتيجة لاختلال ما في معادلة ما او تقرير محاسبي معين او اختلال في قطاع العقار يؤدي إلى سلسلة الدومينو في الدمار.
بينما يقول منظري الاستراتيجيات الناعمة انها تتجنب الاصطدام دائما لتفتح المجال أمام الحلول الاقتصادية الممكنة والناتجة عن المصالح المشتركة بعيدا عن الأيديولوجيا.
مسارات طريق الحرير:
يتضمن الفرع البري من المبادرة ستة ممرات إضافة إلى طريق الحرير البحري الذي يمتد من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط وهي: الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية.
ممر الصين – مونغوليا – روسيا الذي يمتد من شمالي الصين إلى الشرق الروسي.
ممر الصين – آسيا الوسطى – آسيا الغربية الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا.
ممر الصين – شبه جزيرة الهند الصينية الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة.
ممر الصين – باكستان الذي يمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان.
ممر بنغلاديش – الصين – الهند – ميانمار الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند.
ومن أجل تسهيل التجارة والاستثمار، تقترح المعاهدة إزالة الحواجز الاستثمارية والتجارية، وبناء مناطق للتجارة الحرة، ودفع التوازن التجاري، وتنمية الأعمال التجارية الإلكترونية العابرة للحدود، والتعاون في تطوير الطاقات النظيفة والمتجددة، والحفاظ على التنوع البيولوجي ومواجهة التغير المناخي لبناء «طريق الحرير الخضراء». لذا فإن هذه المبادرة لا تعتبر مجرد مبادرة لتسهيل وتوسيع حجم التجارة من خلال إزالة العوائق أمام هذه التجارة وتخفيض التكاليف بقدر ما تعتبر مبادرة تسعى لتقديم دعم تنموي في المناطق التي تمر بها من خلال المشروعات المزمع تنفيذها، فهي تحمل بين طياتها مكاسب اقتصادية محتملة للدول النامية المعنية بالمبادرة.
*الخريطة المجسدة: هي الخريطة التي تظهر طبولوجيا الجبال وتضاريسها بشكل ثلاثي الأبعاد بحيث يتجسد الفرق للمشاهد بين الحدود الطبيعية والعوائق الجغرافية:
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف