عبد الباري عطوان: كيف أفشل صمود قرداحي مبادرة الجامعة العربية “المنحازة” لحل الأزمة اللبنانية الخليجية؟

المساء برس- وما يسطرون|

كيف افشل صمود قرداحي مبادرة الجامعة العربية “المنحازة” لحل الازمة اللبنانية الخليجية؟ ولماذا كانت هذه المبادرة “تحريضية” تحمل في طياتها املاءات سعودية؟ وهل سيكون الرد على فشلها الحتمي البدء في طرد 400 الف لبناني من الرياض واخواتها.. وكيف ستكون العواقب؟

الوساطة التي يقوم بها حاليا السيد حسام زكي الأمين العام لجامعة الدول العربية لحل الازمة بين لبنان من جهة والمملكة العربية السعودية، وثلاث دول خليجية أخرى تتضامن معها، على أرضية تصريحات قديمة ادلى بها الوزير جورج قرداحي حول اليمن، والاتهامات السعودية بسيطرة “حزب الله” على لبنان، هذه الوساطة تؤكد ان المسؤولين في الجامعة باتوا مثل “اهل الكهف”، يتصرفون كما لو انها، أي الجامعة، احد إدارات مجلس التعاون الخليجي مثلما كان عليه قبل عشر سنوات، وليس جامعة من المفترض ان تمثل 22 دولة عربية.

لا نعرف لماذا لم يقم السيد احمد أبو الغيظ الأمين العام بهذه الوساطة شخصيا، بدلا من ارسال نائبه، اذا كانت هذه القضية الخلافية على هذه الدرجة من الأهمية، وتشكل قلقا للعمل العربي، الذي لم يعد مشتركا، ولماذا باتت الجامعة لا تتدخل الا في القضايا ذات البعد الخليجي فقط، وتتجاهل جميع القضايا الأخرى، وخاصة في الاتحاد المغاربي، مثل الازمة المتفاقمة بين الجزائر والمغرب التي وضعت البلدين على حافة الحرب؟ ناهيك عن القضية الفلسطينية.

الامر المؤكد ان السيد زكي، ومن خلال متابعتنا لتصريحاته، ومقابلاته، في العاصمة اللبنانية، كان يتحرك كمبعوث للمملكة العربية السعودية، وليس كمبعوث للجامعة العربية، ولم يكن محايدا على الاطلاق في هذا المضمار، وكنا نتمنى لو ان الحكومة، والأطراف اللبنانية الأخرى تجاهلته، ولم تعر مبادرته أي اهتمام.التصريح الذي ادلى به السيد زكي وقال فيه “ان استقالة الوزير القرداحي كان يمكن ان تحل الازمة بين لبنان ودول الخليج” جاء تأكيدا لما ذكرناه آنفا، لأنه تصريح تحريضي، يربط الازمة بوزير الاعلام اللبناني، ويطالب بإقالته، في تبن واضح للمطالب السعودية، والانحياز بالكامل لوجهة نظرها تجاه الازمة، وتدخل سافر في سيادة دولة لبنانية ديمقراطية، وحكومتها المنتخبة والجائزة على ثقة مجلس الامة (البرلمان)، فهل يجرؤ السيد زكي على مطالبة أي حكومة سعودية بطرد غفير فيها ولا نقول وزيرا؟ او يحمل هذا الوزير مسؤولية أي ازمة عربية، وما اكثر أزمات العرب التي نشبت بسبب التطاول من قبل بعض المسؤولين على هذا الشعب او ذاك؟وما يؤكد ان السيد زكي زار لبنان كمبعوث للمملكة العربية السعودية، التسريبات الصحافية ذات الطابع التهديدي، التي أفادت بأن فشل وساطته قد تكون مقدمة لطرد حوالي 400 الف لبناني يعملون في دول الخليج.بمعنى آخر، ان الخيار المطروح على لبنان من قبل الدول الخليجية الأربع، هو الرضوخ الكامل لشروطها واملاءاتها كاملة والا تَحمل عواقب طرد المواطنين اللبنانيين المقيمين على ارضها، وبكلمة أوضح ان رأس الوزير القرداحي في كفة، وهؤلاء في الكفة الاخرى المقابلة، وهي مقايضة متغطرسة ومعيبة في الوقت نفسه.

إن هذه الجامعة التي وفرت “الشرعية” العربية لتدخل طائرات حلف الناتو عسكريا في ليبيا لتدميرها وتغيير نظامها، وقتل عشرات الالاف من أبنائها، وجمدت مقعد سورية الدولة المؤسسة فيها بطريقة مهينة، وايدت مؤامرة تدميرها وتفتيتها، واعطت الضوء الأخضر لغزو العراق واحتلاله، تريد الآن بوساطتها هذه تشريع طرد 400 الف لبناني يعملون في منطقة الخليج والذريعة فشل هذه الوساطة، وعدم تجاوب السلطات والنخبة السياسية اللبنانية لإملاءات دول الخليج التي حملها امينها العام المساعد.

هذه الوساطة لا يجب ان تُرفض فقط، بل يجب ان تُقاطع، وان تطالب الحكومة اللبنانية، او ما تبقى منها، السيد زكي، وبأدب شديد، بالمغادرة باعتباره شخصا غير مرحب به في لبنان لأنه لا يمثل نفسه ولا جامعته، وحان الوقت لوضع حد لهذه “المسخرة” التي اسمها الجامعة العربية، والشكر موصول للسيد قرداحي وتصريحاته التي كشفت هذا العفن.

نعارض بشدة تحويل العاملين اللبنانيين في الخليج الى رهائن، وكبش فداء او ورقة مساومة، فهذا عمل غير أخلاقي وغير انساني وغير قانوني، وستكون له انعكاساته السلبية على من يقدم على مثل هذه الخطوة، ان لم يكن اليوم فغدا، وربما يفيد التذكير بأن ابعاد 400 الف فلسطيني من الكويت بعد الغزو العراقي عام 1990 لم يؤد الى انهيار الاردن ولم يمت أي من هؤلاء جوعا.الزمن يتغير، والسنوات العشر العجاف السابقة من تاريخ العرب المظلم اوشكت على الانتهاء الى غير رجعة، وما كان يصلح اثناءها لم يعد يصلح اليوم، والسعيد من اتعظ بغيره.. ولعل ما يحدث في اليمن وفلسطين المحتلة وجنوب لبنان والعراق من انقلاب في موازين القوى هو اقوى الأدلة في هذا الضمار.. والأيام بيننا.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف