مقدمة كتاب تاريخ اليمن مقبرة الغزاة

يثبت اليمنيون جيلاً بعد آخر مدى ارتباطهم بموروثهم الحضاري وبأرضهم المعطاة وتقاليدهم الأصيلة فيما توثق شهادات مختلفة صوراً متنوعة لشدة بأس اليمنيين في القتال واستماتتهم في الدفاع عن أرضهم وشهد الغزاة أنفسهم بشجاعتهم وشراستهم في القتال
حركة التحرر يمنية الوجه والروح واليد والسلاح وألمع مزايا هذه الحركة أنها جاءت من دوافع يمنية وقاتلت بالسلاح اليمني وبالزند اليمني ، إنها اليمنية الخالصة كما يقول البردوني عن حركة الاستقلال من الاحتلال التركي الثاني في بلد دائم التحرك ودائم الصراع
تتوسط اليمن قارات العالم القديم وتشرف على أهم طرق التجارة البحرية كهمزة وصل طبيعية بين المشرق والمغرب ويتربع جزء كبير من سكانها على عروش الجبال الشاهقة
ما أشبه الليلة بالبارحة سواء من ناحية الغازي بتفكيره وأسلوبه وممارساته وأهدافه المعلنة وأفعاله المشاهدة أو من ناحية النتائج والمصائر والمآلات وما بين السبب والنتيجة تتكشف الحقيقة وتتضح
ان تفرد مساحة الكتاب بجزئيه الى رصد وتحليل وقراءة الدلالات لحملات الغزو التي تعرض لها اليمن بامتداده الجغرافي الواسع، فذلك جهد مهم، وعمل مضنٍ، وقد تعتريه بعض التغيرات ولكن يبقى للمؤرخ عبدالله بن عامر شرف المحاولة وقصب السبق..
ما بين أيدي القراء وبين يدي المشهد القائم كتاب تاريخ اليمن.. “مقبرة الغزاة” بجزئيه الأول والثاني، ما يثير من المشهد اسئلة شتى.. لأن الحديث عن الغزو والغزاة واليمن اليوم في راهنه يقارع غزواً جديداً وشعبه يعيش لهيباً اكتوى به ومنه الجميع..
ترى ماذا أراد إبن عامر ان يقول للجميع وهو يطل على المشهد السياسي والتاريخي في اليمن بهذين الجزئين.. أهو التذكير أم هو العمل لاستنهاض مكامن مقاومة الغزو والغزاة، خاصة وأن الساحة اليمنية تعيش مشاعر شديدة التناقض..مشاعر قوية تحفز على المقاومة وعلى المقارعة وعلى مواجهة الغزو الجديد.. ومشاعر أخرى استساغت الركون الى الغازي، بل تحالفت معه..
هي حقاً معضلة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.. نأمل أن تخرج البلاد والعباد من ربقتها.. ومن أرضها الرخوة في قادم الأيام..المهم في هذا الكتاب وفي فصوله الأولى، ومن وحي مقدمته ومدخله إيماءات جد ضرورية الى أصالة اليمني المتصدر لمقارعة الدخيل الغازي أياً كان.. أعطى للقارئ فنارات لما أشتمل عليه الكتاب ولمقاصده الطيبة.. في الاتجاه لحمل مشعل أصالة اليماني في أرضه المباركة، وفي جغرافيته التي أصابتها لعنة الأطماع والتدخلات، ورغبة الغزاة في أن يكون لهم موطئ قدم..
وخليق بالقارئ أن يجد ضالته في هذا الكتاب الذي استخلص مجمل التراكمات والمعلومات والأخبار حول الغزو والغزاة التي تداعت الى جغرافيا اليمن، وكان وسيظل ديدن اليماني المواجهة والمقاومة والتصدي لكل هذه الأطماع حتى من أولئك الأقزام الأوباش التي انتفخت أوداجهم بموارد ما كانوا ليحظوا بها لولا فلتات التاريخ المعاصر في زمن اهتزازي جديد تبعثرت فيه القيم الأصيلة، وتسيدَّت ثقافة إلتوائية رخيصة..دعونا.. نجايل إبن عامر وهو يبحر بنا في كتابه هذا..

 

 

المدخل

لعنة الجغرافيا :
تتوسط اليمن قارات العالم القديم وتشرف على أهم طرق التجارة البحرية كهمزة وصل طبيعية بين المشرق والمغرب ويتربع جزء كبير من سكانها على عروش الجبال الشاهقة من المرتفعات الغربية والجنوبية لشبه الجزيرة العربية فيما يتوزع البقية على خارطة متنوعة من التضاريس ما بين سهل وساحل وهضبة وصحراء ويقول روبرت كابلان في كتابه انتقام الجغرافيا .. يقع القلب الديمغرافي البالغ الأهمية لشبه الجزيرة العربية في الركن الجنوبي الغربي الجبلي منها حيث الهضاب البازلتية الشاسعة التي تنتصب مشكلة تكوينات تشبه القلاع الرملية والفوهات البركانية في حين تؤوي شبكة من الواحات الكثيفة سكانها منذ العصور القديمة وفي الحقيقة لم يتمكن الأتراك العثمانيون ولا البريطانيون من السيطرة على اليمن أبداً فاليمن لم يكن مستعمرة حقيقة على الإطلاق.
تكتسب اليمن أهميتها مما حققه أبناؤها من إنجازات حضارية ستظل بلا شك علامات مميزة في مسيرة التاريخ الإنساني فيما الأهمية الكبرى لليمن تكمن في موقعه الجيوستراتيجي المطل على بحرين ومحيط وخليج ومضيق ويعد من أهم المواقع على مستوى العالم بالنسبة لخطوط الملاحة البحرية وكذلك بالنسبة للمنطقة العربية وشرق إفريقيا وأغلب الحملات العسكرية الخارجية كان على رأس أهدافها السيطرة على اليمن بسبب موقعه وما يمكن أن تجنيه أي قوة تسيطر على اليمن من الناحية الاقتصادية وكذلك في تعزيز موقفها العسكري وإلى جوار الموقع تمتلك اليمن ثروات عدة فمن اللبان والبخور ومختلف أنواع التوابل والطيوب في الألف الأولى قبل الميلاد إلى الثروة الزراعية الكبيرة التي ظلت حتى قرون متأخرة مصدراً من مصادر الاقتصاد اليمني إضافة إلى الثروة البحرية الهائلة وكذلك ما تكتنزه الأرض اليمنية من ثروات نفطية وغازية ولم تكتشف حتى اللحظة.
وفي التاريخ اليمني ما يؤكد أن حجم مكانة هذه الأرض بفعل ما أنتجه الجهد البشري الكبير ،الأمر الذي لفت أنظار كبار فلاسفة اليونان والرومان وكذلك كانت هذه الثروات والتطور الحضاري من أبرز دوافع الأحباش في غزواتهم المتكررة ،وأما الأيوبيون فقد دفعهم إلى اليمن العائد الاقتصادي الكبير للموانئ بل قد تكون العلوم في مرحلة من المراحل هدفاً للعصابات الأوروبية التي كانت تأتي لنهب الكتب والخرائط من المدن الساحلية اليمنية وحتى لا نطيل فأن اليمن لا يزال حتى اللحظة بموقعه الحيوي محل أطماع الغزاة وما تسابُق القوى الإقليمية والدولية على الجزر اليمنية وكذلك السواحل إلا دليلاً على ذلك إضافة إلى الحديث المتداول عن الثروة النفطية والغازية التي لا تزال في باطن الأرض ومن التاريخ القديم الذي كان لليمن فيه دور متميز ضاعفت من أطماع الإمبراطوريات العالمية على التآمر عليه وإخضاعه واحتلاله إلى التاريخ الحديث الذي تسابقت فيه القوى الإقليمية للسيطرة على اليمن وحتى التاريخ المعاصر الذي تغيرت فيه أشكال الاستعمار من احتلال وتواجد عسكري على الأرض إلى نفوذ وهيمنة ووصاية وتبعية وغير ذلك.
كل ذلك جعل اليمنيين في مواجهة دائمة مع قوى الغزو وتحكي مقابر جنود وقادة الحملات العسكرية الخارجية المتوزعة في الكثير من المناطق اليمنية تاريخاً طويلاً من الأحداث شهدتها العربية السعيدة خلال قرون من الزمن ،ففي اليمن قضى عشرات الآلاف من الجنود والقادة وهُزمت جيوش بأكملها وانكسرت إمبراطوريات كانت في أوج مجدها وتحفظ الذاكرة الشعبية اليمنية قصصاً وأساطير أغلبها تتحدث عن بطولات الأجداد في مقاومة الغزاة وتحضر هذه البطولات بأحداثها المختلفة في كل وقت تتعرض فيها البلاد لأي خطر خارجي إذ سرعان ما يتجه الجميع إلى مواجهة ذلك الخطر بما توارثوه من مبادئ وقيم وقد قاتل اليمنيون الغزاة في ظروف مختلفة وفي مساحات جغرافية واسعة وبأدوات متنوعة.
يثبت اليمنيون جيلاً بعد آخر مدى ارتباطهم بموروثهم الحضاري وبأرضهم المعطاة وتقاليدهم الأصيلة فيما توثق شهادات مختلفة صوراً متنوعة لشدة بأس اليمنيين في القتال واستماتتهم في الدفاع عن أرضهم وشهد الغزاة أنفسهم بشجاعة وشراسة اليمنيين في القتال ويعتقد أغلب المؤرخين عرباً كانوا أو أجانب أن اليمن ظلت عصية على القوى الخارجية فلم تخضع أو تستكين حتى عرفت بمقبرة الغزاة.

 

ألف معركة ومعركة :
اليمني مقاوم عنيد وصلب شرس وضارٍ لا يعرف الهزيمة وإن عرفها يوماً فهي ليست إلا انتكاسة وكبوة سرعان ما ينهض منها ويتجاوزها ، ولهذا ظلت الأجيال اليمنية تصارع قوى الغزو دون كلل أو ملل نعم لم تحقق النصر من أول معركة بل خاضت صراعاً مريراً يعبر عن مدى الارتباط بالهوية والأرض والتاريخ ، ذلك التاريخ الذي يخبرنا بأن معظم المناطق اليمنية شهدت معارك ووقعات ومواجهات واشتباكات وثورات وانتفاضات ونادراً ما تجد اسم قبيلة أو منطقة أو قرية أو مدينة لا يتوارث أهلها قصة بطولة أو حكاية تضحية.
لقد كانت حركة التحرر يمنية الوجه والروح واليد والسلاح وألمع مزايا هذه الحركة أنها جاءت من دوافع يمنية وقاتلت بالسلاح اليمني وبالزند اليمني ، إنها اليمنية الخالصة كما يقول البردوني عن حركة الاستقلال من الاحتلال التركي الثاني في بلد دائم التحرك ودائم الصراع، تمادت الحيوية وامتدت لأن الهدوء لم يمسح معالم الجرأة من النفسية اليمنية فتلاحقت التفجرات من جيل إلى جيل ،فاليمن صرع بأيدي بنيه كل قائد غزو إما على تربته وإما خارج حدوده إذا نجا من المعركة.
إنه التاريخ المليء بالأحداث بالصبر والمعاناة بالنجاح والانتصار بالتقدم والتراجع بالمحاولة والاجتهاد بالمثابرة والإيمان بالعزيمة والإخلاص بالخيانة والعمالة بالشجاعة والبأس والتضحية ، فقد سطر اليمنيون منذ فجر التاريخ اسم بلدهم على أنها مقبرة الغزاة وهكذا تتحدث الكتابات الكلاسيكية الرومانية ،وفي هذا يقول المؤرخ الإرياني «اشتهرت الأمة اليمنية بين الأمم القديمة أنها الأمة التي لم يدنس أرضها قدم فاتح ولا حنت عنقها لنير الاستعمار ولم تكسف في يوم من الأيام على مر التاريخ شمس حريتها بل تحطمت عنجهيتها على صفاة إبائها وارتدت على أبوابها حاسرة ذليلة» ويقول المؤرخ الشماحي اليمن التي لم تفرغ من نفسها الإباء لأي طاغية ، ولا فتحت أحضانها لأي غازٍ إلا ليُقبر هو وأحلامه تحت سنابك إبائها ثم ليكون لغيرة عظة وعبره.
وهكذا أثبتت أحداث الحملات الأكسومية ونتائجها والأيوبية وتداعياتها وهكذا أكدت حملات المماليك والبرتغال ومن بعدهم الأتراك الذي قالوا أن اليمن كانت بالفعل مقبرة لهم ،كيف لا وقد قاتلهم اليمنيون بالأحجار والأسنان والأخشاب والسيوف والمقاليع والعصي والهروات بل وحتى بالأيادي وبنفس الأدوات تصدى أبناء اليمن للبرتغال والمماليك الذين جاؤوا بالسلاح الناري ،فكانت الملاحم العظيمة تسطرها دماء الشهداء في الشحر وزبيد وعدن و الأرض قاتلت الغزاة من سقطرى حتى صعدة والمخلاف السليماني ونجران والجوف ومأرب ومن كمران وسط البحر الأحمر إلى المهرة وظفار ومن لم يقرأ التاريخ فعليه أن يتصفح ولو جزءاً منه ليطالع صفحات النضال وفصول المجد وأبواب العزة في سفر التضحية اليمانية المجيدة ولم يتراجع شعبنا اليمني يوماً عن مواجهة الغازي بل كان هذا الشعب محرضاً للقوى الوطنية وللقادة والزعماء في مختلف المراحل التاريخية على الخروج والثورة دفاعاً عن السيادة والاستقلال ، وهو ذات الشعب الذي يسقط الشرعية عن أي منظومة حاكمة تقرر الخضوع والاستسلام بل قد يتجه إلى مواجهتها قبل مواجهة الغازي نفسه وإلى إسقاطها قبل أن يعيد ترتيب نفسه ويستعد لحرب التحرير الشاملة ، وهو نفس الشعب الذي يشترط على الحاكم ضرورة مواجهة الغازي للحصول على الثقة ولكسب الشرعية وحب الجماهير فهذا الشعب بمختلف شرائحه سطر مواقف تاريخية لا تُنسى ،فحين يتقاعس الحكام ينهض ويتأهب وعندما يتراجع الرأس يقف شامخاً لا يركع ولا ينحني ، وعندما يأتي الغزو أو يحدث الاحتلال تصبح الشرعية المحلية مشروطة بالمواجهة فلا شرعية في ظل احتلال ولا احتلال يمنح أي قوة الشرعية ؛كونها لا تُمنح إلا من الشعب الذي أكد الموقف وعمَّد الرؤية ورسَّخ المفهوم وقدَّم الحل الذي يتناسب مع الواقع اليمني ،فيحفظ المجد القديم بإحيائه حاضراً واستحضاره مستقبلاً ، ومن ذلك المنطلق لم نسمع في التاريخ أن هناك شرعية استدعت احتلالاً أو أن هناك احتلالاً خلق شرعية لأنها باستدعاء الخارج تفقد مشروعيتها وتسقط شرعيتها ولأن الاحتلال عندما يحاول خلق شرعية إنما يكون يمنح ما لا يملك لمن لا يستحق .
في اليمن قاتلت الجبال مع الجبال ؛جبال الأرض وجبال البشر ومن الجبال إلى السهول والأدوية والهضاب والسواحل والجزر حكايتنا تطول وتاريخنا لا يمكن اختصاره في عشرات الصفحات أو المئات فما وقع في أيدينا إلا القليل وما وصل إلينا ليس إلى الجزء اليسير من قصة ألف معركة ومعركة.

 

الغزاة وجوه لعملة واحدة:
الغزاة وجوه لعملة واحدة ولهم مضمون واحد غير أن أشكالهم تتعدد وأسماءهم تختلف وشعاراتهم تتباين وتكتيكاتهم تتنوع من أطماع واحدة إلى أهداف محددة ، يختلف الزمان والمكان ويختلف الأشخاص والقوى والدول والإمبراطوريات والجماعات والتحالفات إلا أن مفاهيم الغزاة والمستعمرين والمحتل تظل مفاهيم واحدة منذ ما قبل التاريخ وحتى اللحظة وإلى ما لا نهاية .
تأتي دول وتحل أخرى تسقط أنظمة وتولد أخرى وتموت إمبراطوريات وتحيا أخرى وتنتهي تحالفات وتتشكل أخرى ويغادر قادة ويأتي آخرون ، أجندات تتصارع ومشاريع تتجاذب وتتنافر وطموحات تتسابق وفي خضم المتغيرات الكونية والتحولات العالمية من زمن إلى آخر ومن ألفية إلى ما يليها ومن قرن إلى قرون ومن عقد إلى عقود ومع ذلك هو ذلك الغازي يتشكل ويتبدل يرتدي الجديد ويتبنى الحديث ،غير أن جوهره لا يتغير ولا يتبدل من الرومان ما قبل الميلاد إلى الأمريكان في الألفية الثالثة بعد الميلاد ومن أكسوم إلى آل سعود كأدوات للقوى الكبرى ومن عرب الأنباط ومرتزقة اليهود إلى مرتزقة البلاك ووتر والشركات الأمنية العابرة للقارات.
تاريخ يتكرر ودروس تتحدث وأهداف تستنسخ نفسها من مرحلة إلى مراحل وأطماع على شكل طموحات تُستدعى من ثنايا الفصول وإستراتيجيات تُستجلب من صفحات الكتب ومبررات تساق من ماضٍ قريب إلى حاضر مشهود .
يأتي الاستعمار الجديد اليوم بوجه مختلف فيستعمر الأوطان بالأوطان أو بعض الأشقاء ببعضهم كما يقول البردوني ، لأن صانعي التطور أقدر على استغلال التطور لمصالحهم وضد الشعوب ، وسوف تتكشف خفايا الاستعمار الجديد كما افتضحت سوءات الاستعمار القديم تحت أفواج اللهب الشعبي وقبل أن تتحرك الجماهير الشعبية لمناجزة الاستعمار سبق عمل الأيدي ثمرات الأقلام (البردوني مجلة الجيش 1974م).
قد يدعي المستعمر الحرص على المصلحة العامة مستعيراً ثوب الوطنية ومقدماً نفسه كواعظ ومصلح ووطني من الطراز الرفيع يهتم بالشكليات التي لا تسمن أو تغني من جوع ولا تؤدي إلى تطور حقيقي يعود بالنفع على الوطن والمواطن محاولاً بذلك خداع اليمنيين والتضليل عليهم ولهذا فمعظم الغزاة إن لم يكن جميعهم قدموا أنفسهم كمحررين للشعوب ومصلحين لخلافاتهم وحريصين على تقدمهم.
وفي هذا يقول الأديب عبد الله البردوني :إن مفهوم التقدم عند المحتل في مستعمراته هو في استعمال الظواهر الزائفة أو لمعان القشور الخادعة ، كسهر الرجال في المشارب وألعاب الأوراق في المقاهي واصطحاب الشباب للشابات إلى دور السينما والمسارح واستبدال اللبس المحلي بالبنطلون ، هذا هو التقدم في الحياة في نظر الاستعمار القديم وفي نظر الاستعمار الحديث ، لكن عندما يتهيأ شعب للتقدم الحقيقي في القضاء على البطالة ، وتوفير الرخاء لكل إنسان والكرامة الإنسانية لكل مواطن ، فسوف نلاحظ الاستعمار يقضي على هذا التقدم بسلاحه أو بسلاح مأجور من أي وطن ؟ .. لا يرى الاستعمار بأساً في أن يُفتح مائة ماخور ومائة حانة في اليوم لكنه لا يمتلك أعصابه حين تبني مصنعاً أو تشكل نقابة وطنية أو تصدر نشرة واعية أو تبني مدرس صحيحة المنهج والممنهجين (البردوني).
ويضيف بالقول : الاستعمار لم يخدم غير نفسه .. وإن كانت الشعوب استفادت فهو بفضل نباهتها وبفضل طموحها إلى أن تصنع ما يصنع الآخرون حتى تملك التفوق الذي يملكه مستعمرها وهل كان يمكن أن تبقى الشعوب على حالها لو لم تُستعمر ؟ لقد بنى المستعمر في عدن المسارح والمسابح والمراقص والبارات ودور السينما التجارية ولم يبتنِ مدرسة تُخرِّج تلاميذ قادرين على حمل راية الوطن (البردوني) لقد شق المستعمر طرقاتٍ وشوارعَ في عدن لمرور سياراته وسيارات أتباعه فماذا عمل للمواطن الحقيقي للصياد والعامل للبائع الصغير والفلاح ، لم يحقق له أي شيء وكل الملهيات والقشور اللامعة اقتصرت على عدن ودور السلاطين في المحميات أما بقية المناطق فلا فرق بين صعدة ويافع إلا أن صعدة مستقلة تمد ثقافة الأجداد ولا فرق بين لحج وتعز إلا أن تعز مستقلة (البرودني) ولهذا لا يختلف اثنان في الموقف من الاستعمار والاحتلال لأي شعب كان على وجه المعمورة، فالاستغلال والوحشية والنهب والسطوة ومصادرة الثروة واستنزاف القدرات جميعها مفاهيم ومصطلحات وممارسات ارتبطت بالمستعمر والمحتل والغازي على طول الأزمان .
استدعى الأحباش أصولهم اليمنية لتبرير اعتداءاتهم وتمثل الفرس دور المساعد الحريص لتبرير نفوذهم وساق الأتراك مبررات حماية الحرمين الشريفين ومحاربة القوى العالمية المتصارعة على المنطقة وذلك لشرعنة تواجدهم ، وقال المماليك أنهم جاؤوا للتصدي للبرتغال وسبب الأيوبيون غزوهم بحماية البلاد الإسلامية من المخاطر الصليبية المحدقة والمتربصة ورفع السعوديون في توسعهم الأول محاربة البدع الضلالية ونشر الإسلام الحقيقي كشعارات للغزو والنهب والسلب .
تذرع البريطانيون بحادثة السفينة المنهوبة لاحتلال عدن كما يتذرع الأمريكان اليوم بالإرهاب للسيطرة على المنافذ والممرات الحيوية والمواقع الجيوستراتيجية ، وربما البريطانيون كانوا أكثرَ ذكاءً في التعامل مع اليمنيين ومع ذلك اليمني لم يقبل بهذا الوجود وظل يقاومه حتى طرده (عبد الباري طاهر)

 

في المعركة الشاملة :
أهداف الحملة الرومانية قبل الميلاد تكاد تكون نفس أهداف وطموحات الأكسوميين بعد الميلاد وهي ذات الأسباب الدافعة للإمبراطورية الساسانية للتدخل والهيمنة على اليمن وهي نفس الأهداف بالنسبة للأيوبيين وبعدهم المماليك والأتراك والبرتغال والبريطانيون، فقد تصدر الجانب الاقتصادي من خلال الاستغلال والنهب والمصادرة والاستفادة قائمة أهداف الغزاة على مختلف ألوانهم فالاحتلال والسيطرة العسكرية من أجل الثروة والمال والنفوذ والهيمنة يليه الجانب الثقافي الديني من خلال نشر الأفكار والديانات وتغيير الثقافات واستهداف المجتمع في تفكيره وعاداته وتقاليده ، ولهذا فإن الصراع مع المستعمر والغازي لا يقتصر على الجانب العسكري القتالي بل يمتد إلى الفكري والثقافي إلى العادات والتقاليد إلى الموروث الشعبي وإلى الثوابت الدينية أي أنها معركة شاملة فلا يمكن للغازي أن يستمر في استغلاله ونهبه وسطوته ونفوذه ما دام وثقافة الناس تدفعهم للانتفاضة وتحرضهم على الثورة وتستفز حماستهم لاستعادة الحرية ونيل الاستقلال .
إنها معركة مصيرية لأن الغازي لا يتردد في استهداف الوجود البشري اليمني على هذه الأرض وفي القضاء على كل مقومات الحياة ومن أجل تحقيق أهدافه قد يلجأ إلى أبشع الوسائل وإلى أحقر الطرق دون أن يضع أي اعتبار للأخلاق والأديان والشرائع والكرامة الإنسانية ، وشمولية المعركة المجالات كافة ينبع من شمولية أهداف الغازي نفسه فالانتصار العسكري بالنسبة له ليس نهاية المطاف بل مقدمة لفرض كل ما يستهدف عادات الشعب وتقاليده ولا يهدأ له بال إلا والمجتمع يدور في فلكه ويعتقد بما يعتقده ويؤمن بما يؤمن به ويتماهى ويذوب في مشاريعه وخططه وخطواته وقد شهدت البشرية أمواجاً عنيفة من الاستعمار الذي يستهدف كل شيء من البشر إلى التاريخ إلى الهوية والثقافة والدين واللغة .
في اليمن حاول الأحباش فرض ثقافتهم وديانتهم المسيحية بالقوة واستخدم الأيوبيون المذهب لمحاربة المذاهب الأخرى واستدعى الأتراك المناطقية والعشائرية حتى يحققوا أهدافهم وتعرضت الكثير من العادات والتقاليد اليمنية للتجريف والاستهداف سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر فقد ورث اليمنيون عن المراحل الاستعمارية المختلفة الكثير من العادات والتقاليد السيئة كالفساد المالي والإداري الذي انتشر في العهد التركي الثاني وبشكل غير مسبوق حتى أنه صار عرفاً وعادة لا تستدعي الاستهجان والتقزز وانتشر الفساد الأخلاقي في فترات الاستعمار المختلفة إضافة إلى بروز ظواهر جديدة يعمل الغازي على توسيعها وتبرير وجودها كالارتزاق والعمالة والانتقال من مربع الوطنية إلى مربع العمل لصالح العدو بأساليب وأشكال مختلفة .
من هذا المنطلق فإن مفهوم مواجهة المعتدي والتصدي للغزاة ومقاومة الاستعمار بكافة أشكاله لا يقتصر على القيام بالمسؤولية المستندة إلى عوامل وطنية ودوافع لها علاقة بالتراث والعادات والتقاليد بل بكونها واجباً دينياً وأخلاقيا وإنسانياً وثقافياً ووطنياً ،أي أنه واجب لا يمكن التنصل عن القيام به أو التهرب من أدائه ومسؤولية لا تسقط إلا بعملها وترجمتها على أرض الواقع .

 

من يستفيد من التاريخ ؟
الغزاة لا يستفيدون من التجارب ، تدفعهم أطماعهم وسوء نياتهم إلى الفشل والسقوط فالأحباش لم يستوعبوا درس الحملة الرومانية وفي حملاتهم الأخيرة قبل الإسلام لم يتعظوا من مصير حملاتهم الأولى والفرس لم يستفيدوا من تجارب الأحباش والرومان والأيوبيون لم يضعوا أي حساب لكافة القوى السابقة والبرتغال لم يفكروا بما حل بسابقيهم من الغزاة والمماليك لم ينظروا إلى مصير غيرهم والأتراك تعددت الدروس أمامهم وتشكلت ومع ذلك لم ينتهوا سواءً في فترتهم الأولى أو حتى الأخيرة وهناك من هو اليوم يكرر التجارب ويغرق فيها ظاناً أن من قاوم الرومان ودحرهم وجابه الأحباش وطردهم وثار ضد الفرس وأسقطهم وتصدى للأيوبيين وغلبهم وجاهد البرتغال وأغرقهم وثار على الأتراك وقهرهم وعارك الإنجليز وانتصر عليهم سيقبل اليوم بمن هو أدنى منهم أو يساويهم وأن من رفض الغزاة وأبى الاحتلال و الخضوع والهيمنة والتبعية على طوال مراحل التاريخ سيقبل اليوم بأي شكل من أشكال الاحتلال وتحت أي شعار وفي ظل أي مشروع .

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف