اليمن ولعنة الجغرافيا – مقدمة تاريخ اليمن مقبرة الغزاة

كتاب تاريخ اليمن مقبرة الغزاة – عبدالله بن عامر

لعنة الجغرافيا :
تتوسط اليمن قارات العالم القديم وتشرف على أهم طرق التجارة البحرية كهمزة وصل طبيعية بين المشرق والمغرب ويتربع جزء كبير من سكانها على عروش الجبال الشاهقة من المرتفعات الغربية والجنوبية لشبه الجزيرة العربية فيما يتوزع البقية على خارطة متنوعة من التضاريس ما بين سهل وساحل وهضبة وصحراء ويقول روبرت كابلان في كتابه انتقام الجغرافيا .. يقع القلب الديمغرافي البالغ الأهمية لشبه الجزيرة العربية في الركن الجنوبي الغربي الجبلي منها حيث الهضاب البازلتية الشاسعة التي تنتصب مشكلة تكوينات تشبه القلاع الرملية والفوهات البركانية في حين تؤوي شبكة من الواحات الكثيفة سكانها منذ العصور القديمة وفي الحقيقة لم يتمكن الأتراك العثمانيون ولا البريطانيون من السيطرة على اليمن أبداً فاليمن لم يكن مستعمرة حقيقة على الإطلاق.
تكتسب اليمن أهميتها مما حققه أبناؤها من إنجازات حضارية ستظل بلا شك علامات مميزة في مسيرة التاريخ الإنساني فيما الأهمية الكبرى لليمن تكمن في موقعه الجيوستراتيجي المطل على بحرين ومحيط وخليج ومضيق ويعد من أهم المواقع على مستوى العالم بالنسبة لخطوط الملاحة البحرية وكذلك بالنسبة للمنطقة العربية وشرق إفريقيا وأغلب الحملات العسكرية الخارجية كان على رأس أهدافها السيطرة على اليمن بسبب موقعه وما يمكن أن تجنيه أي قوة تسيطر على اليمن من الناحية الاقتصادية وكذلك في تعزيز موقفها العسكري وإلى جوار الموقع تمتلك اليمن ثروات عدة فمن اللبان والبخور ومختلف أنواع التوابل والطيوب في الألف الأولى قبل الميلاد إلى الثروة الزراعية الكبيرة التي ظلت حتى قرون متأخرة مصدراً من مصادر الاقتصاد اليمني إضافة إلى الثروة البحرية الهائلة وكذلك ما تكتنزه الأرض اليمنية من ثروات نفطية وغازية ولم تكتشف حتى اللحظة.

وفي التاريخ اليمني ما يؤكد أن حجم مكانة هذه الأرض بفعل ما أنتجه الجهد البشري الكبير ،الأمر الذي لفت أنظار كبار فلاسفة اليونان والرومان وكذلك كانت هذه الثروات والتطور الحضاري من أبرز دوافع الأحباش في غزواتهم المتكررة ،وأما الأيوبيون فقد دفعهم إلى اليمن العائد الاقتصادي الكبير للموانئ بل قد تكون العلوم في مرحلة من المراحل هدفاً للعصابات الأوروبية التي كانت تأتي لنهب الكتب والخرائط من المدن الساحلية اليمنية وحتى لا نطيل فأن اليمن لا يزال حتى اللحظة بموقعه الحيوي محل أطماع الغزاة وما تسابُق القوى الإقليمية والدولية على الجزر اليمنية وكذلك السواحل إلا دليلاً على ذلك إضافة إلى الحديث المتداول عن الثروة النفطية والغازية التي لا تزال في باطن الأرض ومن التاريخ القديم الذي كان لليمن فيه دور متميز ضاعفت من أطماع الإمبراطوريات العالمية على التآمر عليه وإخضاعه واحتلاله إلى التاريخ الحديث الذي تسابقت فيه القوى الإقليمية للسيطرة على اليمن وحتى التاريخ المعاصر الذي تغيرت فيه أشكال الاستعمار من احتلال وتواجد عسكري على الأرض إلى نفوذ وهيمنة ووصاية وتبعية وغير ذلك.

كل ذلك جعل اليمنيين في مواجهة دائمة مع قوى الغزو وتحكي مقابر جنود وقادة الحملات العسكرية الخارجية المتوزعة في الكثير من المناطق اليمنية تاريخاً طويلاً من الأحداث شهدتها العربية السعيدة خلال قرون من الزمن ،ففي اليمن قضى عشرات الآلاف من الجنود والقادة وهُزمت جيوش بأكملها وانكسرت إمبراطوريات كانت في أوج مجدها وتحفظ الذاكرة الشعبية اليمنية قصصاً وأساطير أغلبها تتحدث عن بطولات الأجداد في مقاومة الغزاة وتحضر هذه البطولات بأحداثها المختلفة في كل وقت تتعرض فيها البلاد لأي خطر خارجي إذ سرعان ما يتجه الجميع إلى مواجهة ذلك الخطر بما توارثوه من مبادئ وقيم وقد قاتل اليمنيون الغزاة في ظروف مختلفة وفي مساحات جغرافية واسعة وبأدوات متنوعة.

يثبت اليمنيون جيلاً بعد آخر مدى ارتباطهم بموروثهم الحضاري وبأرضهم المعطاة وتقاليدهم الأصيلة فيما توثق شهادات مختلفة صوراً متنوعة لشدة بأس اليمنيين في القتال واستماتتهم في الدفاع عن أرضهم وشهد الغزاة أنفسهم بشجاعة وشراسة اليمنيين في القتال ويعتقد أغلب المؤرخين عرباً كانوا أو أجانب أن اليمن ظلت عصية على القوى الخارجية فلم تخضع أو تستكين حتى عرفت بمقبرة الغزاة.

 

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف