البردوني : ألفت العمى حتى أصبحت أخاف الإبصار

ربما وجدت الجماهير في صوتي ما يعانونه في صحتهم المآخذ على الشعر المعاصر لا تصرفني عن تتبع النتاج الجديد
الواقع هو امتداد الامس وحضور اليوم، واحلام الغد
تعودنا ان نلتقي كل اسبوع في هذه الصفحة مع الاستاذ عبدالله البردوني في رؤاه البحثية والفكرية وثقافياته ومختاراته الشعرية في هذا العدد نعيد نشر حوار اجرته معه مندوبة صحيفة «الأنباء الكويتية» في يمانينات القرن الماضي إبان حضوره مهرجان جرش الأدبي في الأردن، ولعل القارئ سيلاقي في هذا الحوار طرافة ومتعة، لأن الاسئلة التي طرحت على البرودني في هذا الحوار شديدة الاختلاف عن اكثر الاسئلة التي طرحت عليه في حوارات سابقة، كما إن الاجابات كانت في منتهى الوضوح والطرافة لأختلاف الأسئلة، وقد كانت مندوبة «الأنباء» متابعة لامسيات البردوني الشعرية في جرش فطرحت اسئلتها من واقع المشاهدة واستفسرت عما وراء تلك المشاهدة المسموعة فأجاب الشاعر على كل سؤال محرج بدون حرج فهذا الحوار تاريخ من الداخل لنفسية البردوني وتجربته في الحياة الشعرية والجماهيرية.

حاورته: حاكمة شاهين:
أيهما احد رؤية.. رؤيا بصر العين أم بصيرة القلب والعقل؟! سؤال يراود الذهن عندما نتذكر في تاريخنا العربي القديم، وتاريخنا الحديث نخبة من «العميان» المبصرين الذين طبقت شهرتهم الآفاق، بينما يموت في المقابل بعض المبصرين ودون ان يتركوا وراءهم هذه الاستقالة المدوية.
من المعري، الى طه حسين، الى عبدالله البرودني، مساحة واسعة من الزمن، ولكن قاسماً مشتركاً اسمه الابداع هو الذي يربط بينهم، كلهم كانوا رهناء المحبسين ولكنه قلم الادب والشعر الذي «ربطهم» الى قائمة الخالدين ومع الاخير.. مع الشاعر عبدالله البردوني كان للانباء هذا الحوار في مهرجان جرش بالاردن.
التمس منك ان تقدم نفسك مرتين: مرة إلى الذين يعرفونك، واخرى الى الذين لا يعرفون من هو البردوني؟
<< من مأساة الناس أنهم يجهلون اكثر مما يعرفون فالذين عرفوني شاعراً أو كاتباً قد لا يعرفونني انسانا شقيا بهذا الذي يسمونه ابداعاً أو شهرة اما الذين لا يعرفونني فأنني اقول لهم ارجو الا تنخدعوا فهناك أمور لا يضر جهلها.

تطوره الادبي وأعماله
نتاجك الشعري يكشف عن انسانيتك فكيف تطورت اعمالك الادبية؟ دخلت الحياة الشعرية أخر الاربعينات ولم اظفر بوسائل نشر كل مجموعة عند الفراغ منها فلم انشر المجموعة الأولى إلا بعد 14عاماً من مكابدة الشعر؟
<< نشرت أول مجموعة سنة 1961م بعنوان»من ارض بلقيس» وهذه التي سببت لي السمعة الادبية لا لقيمتها الادبية ولكن لأنها نشرت في مشروع الالف كتاب عام 61بالقاهرة وكان لهذا المشروع سمعة منتشرة لثقة الناس باللجنة التي اختارت تلك الكتب وبالمجالس التي عقدت لاختيار الاحسن والأجود كان لمجموعتي حظ النشر في هذا المشروع.
وفي عام 67نشرت المجموعة الثانية”في طريق الفجر” ثم سنة 1970م مجموعة “مدينة الغد” ثم 73م اصدرت مجموعة “لعين ام بلقيس”.
وفي عام 74مجموعة “السفر إلى الايا الخضر” وفي عام 77 مجموعة “وجوه دخانية في مرايا الليل” وفي عام 79” زمان لا نوعية” وفي عام 83ديوان “ترجمة رملية لاعراس الغبار” كذلك اصدرت 4كتب في النقد والاجتماع والتاريخ والفن الشعبي “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه” في عام 72”قضايا يمنية” في عام 78 فنون الأدب الشعبي في اليمن “ عام 1981م “اليمن الجمهوري “عام 83هذا كله حصاد 52 عاماً من المرارة.

البردوني الشعر كمحرض إبداعي
أنت في قبر وحيد هادئ
أنا في قبرين جلدي وبلادي”
ورد هذا البيت في صفحة من ديوانك الأخير هناك اشارة إلى شعر أبي العلاء المعري، إلى سجون الأعمى لهذا لديَّ سؤال يجرؤني عليه إنني قرأتك مرة وسمعتك في هذا المهرجان مراراً عديدة، تشير إلى المحبسين اللذين أنت فيهما العمى والجسد فلا أدري أن كان هناك محبس ثالث! وما اثر محبس العمى فيك شعرياً؟ ثم ما هي المصاعب التي تواجهها في هذا المجال؟
<< هناك إشارة إلى شعر أبي العلاء المعري إلى سجون الأعمى وهي ثلاثة العمى- احتباس نور الروح في ظلام الجسد- لزوم البيت- فهذه هي سجون الأعمى فأنا لم اقصد أبي العلاء المعري وإنما وضعت مقارنة بين راحة الأموات وعذاب الحي- كما ترين في البيت حرفياً مخاطباً للصديق الميت ولهذا عنوان القصيدة»رسالة إلى صديق في قبره..
برغم أني اعرف بعض الأمور فان أكثر ما اجهله نفسي وإنما اعرف واحداً من ملايين الناس في عالم الشعر وأنني املك صوتي الخاص مهما كان رديئا حتى أن بعض الدكاترة قال إن الشعر ينقسم إلى ثلاثة أقسام كلاسيكي وجديد وبردوني.
لا ريب أن الحياة الفنية صعبة التعقيد لأننا في عصر الفنون المعقدة فكيف يجد الشاعر بصورته مجالاً بين هدير الآلة والمسرح وضجت التلفزيون وامتداد صوت الإذاعة الذي لا ينقطع فإذاً الشاعر مضطر إلى ابتداع عالم غير عالم هذه الفنون لكي يجد جمهوره وأظنك لاحظت في مهرجان جرش أنني لست محروماً من الجمهور حتى أن أعضاء اللجنة سألوني ما هذه الجماهيرية الواسعة لشعرك فقلت انني لا ادري فلا اعرف السبب لكنني اعرف أنني اسطر عن مشاكل هذه الجماهير باعتباري واحداً منهم فربما أنهم يجدون في صوتي ما يعانونه في صمتهم.
لهذا كنت أقرأ أكثر من أربع قصائد وأعود إلى المنصة بأمر الجمهور ومثل هذا حصل في مصر في مهرجان شوقي إذ طلب مني العودة إلى المنصة في ليلتين متتاليتين مع أن المشرفين على المهرجان خصصوا لكل شاعر قصيدة في ليلة واحدة ولا أدري السر ولكني أعرف أنني جئت من غمار هؤلاء الناس حاملاً رأسي على يد وقلبي على يد.

الطرافة في الأداء
استمعت لك تقرأ في أمسيتين فوجدت أهم صفة يتميز بها شعرك وربما شخصيتك أيضا: الطرافة فقصائدك تتناول حوادث طريفة وأنت تساعد على تصعيدها؟ بما تضفي عليها من الأداء والحركة.. كيف تفسر هذه الظاهرة في شعرك؟
<< عندما أصعد إلى المنصة لا أملك تخطيطاً مسبقاً للوقفة ولا طريقة للأداء وإنما أقرأ كما يوحي جو القصيدة لغتها. أما النكات التي ألقيها فهي عند طلب القصائد القديمة فإنني أشرح لقدمها وتاريخ نشرها حتى لا يحس الجمهور أن تلك التجارب من ظروف هذه السنة ثم تنبثق هذه النكات من خلال هذا التفسير وربما كانت لطبيعة العمى دخل كبير في تعاطف الجمهور معي؛ لأن القاعة تندهش حين ترى أعمى يلقي قصائده غير معتمد على ورقة, وسائر الشعراء يقرؤون من الورق.
وتزداد غرابة القاعة عند طلب قصيدة نشرت قبل عشر سنوات فأقرأها وكأنني أتناولها من جيبي وهذا بفضل العمى الذي علمني ترويض الذاكرة حتى أحفظ شعري وشعر غيري ثم أن للتعليم يدا في هذا ؛لأنني كنت أسمع لشيوخ عن طريق الأذن وأُسمعهم في اليوم التالي ما شرحوه في اليوم الأول وكانت دارستي في دار العلوم صعبة حيث المهمة تفرض علينا التكرار، ولهذا تكونت لي ذاكرة حفظ القرآن وقراءة الشعر القديم حيث أنني اروي لبعض الشعراء المعاصرين قصائد قد ينسونها.

تصنيف طبقات الشعراء إلى طبقات
من هم الشعراء العرب المعاصرون الذين تحبهم ولماذا؟ وما مأخذك على الشعر المعاصر الذي لا تميل إليه؟
<< لو صنفنا الشعر المعاصر إلى طبقات كما فصل «ابن سلام الجمحي» في كتابة الشعراء لصنفنا شعراء المدرسة الجديدة إلى طبقات: الطبقة الأولى من بدر شاكر السياب- عبدالوهاب البياتي- محمود درويش- ادونيس-
الطبقة الثانية: علي الجندي السوري- صلاح عبدالصبور- احمد حجازي- امل دنقل- محمود عفيفي مطر- بلند الحيدري.

الطبقة الثالثة: تجمع المئات كما تجمع الطبقة الرابعة الآلاف.
أما الشعر العمودي فعلى رأس الكلاسيكية شوقي ويلحق بطبقته الجواهري- سليمان العيسي- مصطفى جمال الدين- عمر ابو ريشة- ادب الجزيرة والخليج يشارك في هذه الطبقات وإن كان لشعر هذه المنطقة نكهة خاصة مثلاً الشاعر علي السبتي صاحب بيت: من نجوم الصيف يلحق بالطبقة الثانية لو واصل مسيرة الشعر، وخليفة الوقيان اقرب إلى مصطفى جمال الدين إلا أنه على إجادته مقل.
أما الشعراء في البحرين فإن قاسم حداد يشبه محمد عفيفي مطر كما يشبه علوي الهاشمي- أمل دنقل أو ممدوح عدوان، أما إبراهيم العريض فهو اقرب إلى الجيل الوسط الذي بين شوقي وبين سليمان العيسي.
ثم شعر الجزيرة والخليج لا يكون مذهباً أو طبقة وإنما يحلق بكل الطبقات ويشارك في كل المذاهب الشعرية.
أما من أفضل؟.. فإن المسألة ترجع إلى نوعية القصيدة أو مستوى المجموعة فكما أن الشعراء متفاوتون فإن الشعر نفسه متفاوت بالضرورة كالإنسان تماماً فلم يخلق المرء من وجه وعينيين وإنما وجه وأمعاء وساقين كذلك الشعر يجب أن تتركب أعضاؤه بتناسب بحيث تكون الإجادة موزعة في التركيب العام بكل قصيدة.

مآخذ الشعر المعاصر
مآخذك على الشعر المعاصر؟
<< المآخذ لا تصرفني عن معرفة الشعر والكتابة لأن المآخذ في كل عمل إنساني، ولان النقائص والمزايا في نسيج واقعنا العام.
وأنا لا يهمني أن أتابع الجيد وحده، لأنني أريد أن عرف عصري ولا أعرف جوانب العصر إلا بمعرفة كل الإنتاج على مختلف مستوياته فأنا اقرأ مجموعات “ليلى العثمان” القصصية كما أقرأ مجموعات “زكريا ثامر” – كما اقرأ رواية “ فهد إسماعيل” كما أقرأ “نجيب محفوظ” وأقرأ “ادونيس” كما اقرأ “بندر عبدالحميد” فلا اعرف كل عصر إلا بقراءة كل الإنتاج لان معرفة الجيد وحده تبرز الجانب الجيد في العصر وتحجب بقية الجوانب.. وهكذا أدب كل عصر، فالاقتصار على شعر المتنبي لا يعرفنا بقيمة المتنبي ما لم نعرف معاصريه “كأبي عباس النامي” “وابن نباته” أو “أبي فراس الحمداني” فمعرفة الاعلام وحدهم مهما استوعب عصورهم لا يغنون عن سائر المنتجين بمختلف مستوياتهم بل لا يكفي معرفة النتاج الأدبي وحده لان الأدب خلاصة معارف دينية وفلسفية وتاريخية وخصوصاً الأدب القديم فقد كان ينمو تحت رداء الشاعر- المؤرخ والفقيه والفيلسوف والنحوي والناقد كذلك الشاعر المعاصر فإنه ينطوي على الاقتصادي والسياسي والتنظيمي والاجتماعي.

أيهما تختار البصر أم الشعر؟
لو قيل لك.. واستميحك عذراً على هذا السؤال: نقايضك شعرك بعينين مبصرتين فأيهما تختار؟ ولماذا؟
<< لا داعي للاعتذار يا سيدتي. فانا لا أفضل شعري على رؤية البصر ولكنني قد ألفت العمى حتى أصبحت أخاف الإبصار ولا أظن أنني أعاني العمى لأنني أحس التعويض هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن الحواس ليست قيمة بشرية فالفأر أقوى حاسة شم من الإنسان والغراب احد بصراً من الإنسان لأن الحواس والغرائز مشتركة كما أن العاهات مشتركة بين الناس والحيوانات وربما نتذكر ان عبقرية الرؤيا الباطنية جعلت من «تريزيس» فيلسوفاً كما أن عاهة الصمم جعلت من «بتهوفن» موسيقياً عظيماً، كما أن مهنة العمى هي التي انبتت في المعري مئات العيون الداخلية لأن السماع بالأذان تقليدي، والرؤية بالعيون الجارحة اعتيادي، أما الرؤيا بسمع القلب ومواهب العقل فهو اجتياز للموروث والمعتاد فهذا العمى قد أصبح صديقاً.. وجعل من الشعر أكثر التصاقاً بنفسي.

يوم من أيام البردوني
لو سألتك أن تصف لي يوماً من أيام الشاعر عبدالله البردوني منذ استيقاظه حتى خلوده إلى النوم، وليكن يوماً غير اعتيادي فهل ستلبي طلبي؟
<< من أهم المشاكل أن الأيام السارة تنطوي في النسيان والأيام المزرية عميقة الحفر في النفس ولعل اليوم الذي اذكره «بقوة» هو يوم قيام الثورة اليمنية 26سبتمبر فقد كان أكثر الأيام امتلاء بالمتناقضات الحادة، كان هناك الفرح بالثورة والحنان على الذين أضرت بهم، والأمل في الغد، والخوف مما يخبئ الغيب فكان هذا اليوم احفل الأيام بصراع النقائض في نفسي.

الحياة في نظره
ما هي الحياة في نظر الشاعر البردوني؟
<< الحياة هي الشعور بالتحرك والامتلاء في داخلنا وفي ما حولنا ما الشعر؟: إبداع غير عادي من إنسان عادي لان الفن هو إبداع الواقع والتعالي عليه فنياً.
ما الواقع؟:هو امتداد الامس وحضور اليوم وأحلام الغد.
ما الأمل؟: انه افتتاح المستقبل على أرض جديدة تصوراً لكي يتحقق فعلياً.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف