“قصة الأشراف وابن سعود”.. الحلقة (15)

المساء برس – سلسلة حلقات خاصة| كتاب قصة الأشراف وابن سعود.. لمن أراد أن يفهم ما يحدث الآن في الشرق الأوسط

إن ما نضعه بين يدي القارئ هي قراءة تاريخية بحتة وغير متحيزة، لأحداث الشرق الأوسط خلال القرن الماضي لما لها من أهمية بالغة لا تزال تأثيراتها حاضرة حتى وقتنا الحالي.

توطئة المؤلف:
لقد ترافق قيام دولة آل سعود (المملكة العربية السعودية) وانهيار دولة الأشراف في الحجاز (مملكة الحجاز) تغيرات كبيرة أثرت على العالم الإسلامي عموماً والمنطقة العربية خصوصاً.
وبقيت آثار تلك التغيرات الكبيرة بارزة إلى وقتنا الحاضر بالرغم من تقادم الزمن وكثرة العواصف التي مرّت بها هذه المنطقة.

الفصل الثاني
الحسين بن علي

إن الحسين بن علي هو أشهر من تولى شرافة مكة في جميع العصور. فهو قد وصل بالشرافة إلى القمة ولكنها سرعان ما انهارت على يده. وهو فوق ذلك ذو أهمية كبرى في تاريخ العرب المعاصر وتاريخ القومية العربية وسنحاول في هذا الفصل ذكر شيء من حياته حتى قيامه بالثورة على الأتراك، على أن نعود لدراسة بقية حياته في فصول تالية.

بداية حياته

هو الحين بن علي بن محمد بن عبد المعين من ذوي عون. ولد في إسطنبول في عام 1853من أم شركسية اسمها “وسيلة خانم” وكان جده وأبوه وأعمامه يعيشون يومذاك في إسطنبول عندما كنت الشرافة في يد خصمهم عبدالمطلب من ذوي زيد؟

وفي عام1855عندما تولى الشرافة محمد بن عبدالمعين –على أثر عزل عبدالمطلب منها –غادر إسطنبول إلى مكة مع أولاده وأهل بيته، وكان من بينهم حفيده الصغير الحسين. وفي عام 1858حين مات محمد تولى الشرافة من بعده ابنه عبدالله. وقد عاد علي والد الحسين إلى إسطنبول حيث توفي فها عام 1870. أ/ا ولده الحسين فقد بقي في كنف عمه عبدالله في مكة. وفي عام 1875 تزوج الحسين عابدية خانم، وهي ابنة عمه عبدالله، فولدت له أربعة أولاد هم:الحسين وعلي وعبدالله وفيصل. وقد مات الأول منهم في صباه، ثم ماتت الأم أيضاً في عام 1889.

ظهرت أولى بوادر نشاطه السياسي في عام 1880حين تولى الشرافة عبدالمطلب من ذوي زيد للمرة الثانية. فقد كان الحسين من جملة أعضاء الوفد العوني الذي ذهب إلى إسطنبول لتحريض السلطان على عزل عبد المطلب. ويدعي ذوو زيد أن الحسين كان من أنشط أعضاء الوفد، وأنه هو الذي قام بتزوير الوثائق ضد عبدالمطلب، كما اتهموه بأنه اتصل بالسفير البريطاني في إسطنبول طالباًُ منه مساعدته ضد ذوي زيد، وحثه على الاعتماد على ذوي عون دون غيرهم (1).

ولما تم عزل عبدالمطلب من الشرافة في عام 1882، وتولى عون الرفيق الشرافة من بعده كانت العلاقة بين الحسين وعمه عون حسنة جداً فقد كان عون يكثر من زيارة الحسين في بيته ويلاطف أهله ويلاعب أولاده حتى أنه كان يضع اللجام في فم عبدالله بن الحسين ويأمره بالجري كالفرس ليأنس به (2).

ويروي عبدالله في مذكراته حادثة طريفة جرت له في تلك الأيام، خلاصتها أنه وإخواته كان لهم معلم يعلمهم الخط اسمه الشيخ عثمان اليمني، وكان هذا المعلم ذا لثة دامية وفم كريه ظن وقد اعتاد أن يضع القلم في فمه ثم يغمسه في الدواة فيختلط فيها الحبر بالدم. وأراد عبدالله أن يعمل له مقلباً فجاء بشيء من الفلفل القوي ووضعه في محبرة أخية فيصل. ولما وضع الشيخ القلم في فمه بعد غمسه في المحبرة، أحس بلذع الفلفل، ثم اشتد به الألم وتروم فمه ن وقرر معاقبة فيصل ظناً منه أنه الفاعل، ووضع قدمي فيصل في الفلقة، وصار فيصل يصرخ ويقسم أنه بريء. وانتهى الحادث بصرف المعلم بعد الاعتذار إليه ومنحه نقوداً وكسوة. ولما وصل الخبر إلى الشريف عون الرفيق استدعى إليه عبدالله، وصار يضحك ويتعجب من عمله ويقول:”فطنة عجيبة غريبة ” ثم أمر بإحضار المعلم كما أمر بإحضار طبيب الأسنان، وقال للمعلم:”ياعثمان، تريد أن تعلم أبناءنا الخط وهم علموك كيف تكون النظافة” ثم نادى طبيب الأسنان وأمره بأن يخلع أسنان المعلم، فأخذ المعلم يصيح ويستغيث. فأمر الشريف عون بالكف عنه وبإعطائه ألفاً وخمسمائة ريال وأوصاه بأن يتداوى(3)

لم تبق العلاقة الحسنة بين الحسين وعمه الشريف عون طويلاً، بل صارت تسوء شيئاً فشيئاً بمرور الأيام. فقد أخذ الشريف عون يتهم الحسين بأنه يؤلب الناس عليه ويحرضهم على التذمر منه، وطلب من السلطان عبدالحميد استدعاءه إلى إسطنبول ليتخلص منه. فورد الأمر من السلطان بأن يأتي الحسين إليه. فرحل الحسين إلى إسطنبول في عام 1893واستقبله السلطان بلطف، ويعنه عضواً في مجلس شورى الدولة. وأمر بأن تعد له دار مؤثنة على البوسفور.

عندما استقر الحسين في داره في إسطنبول استدعى إليه أولاده وأهل بيته، فوصل هؤلاء إليها في أوائل آذار 1894. وبعد وصولهم بخمسه عشر يوماً صدرت الإرادة السلطانية بتعيين صفوت أفندي العوا –هو ضابط شامي- لتعليم أولاد السحين بعض الدروس كالحساب والتاريخ والجغرافية واللغة التركية. ويروي أمين الريحان أن عبدالله كان دؤياً على الدرس بينما كان فيصل كسولاً متأخرً في دروسه دائماً، وقد ذهب صفوت العوا إلى الحسين يشكو إليه من كسل فيصل وتأخره، فقال له الحسين “اضربه يا ابني ولا تخف…”(4)

تزوج الحسين في إسطنبول فتاة شركسيه ولدت له ابنته صالحة، وقد ماتت الزوجة بعد فترة قصيرة، فتزوج الحسين بعجها عادله هانم وهي حفيدة رشيد باشا السياسي التركي المشهور، فولدت له ولده زيد وبنتين هما:فاطمة وسارة(5)

تروي المس بيل في إحدى رسائلها نقلاً عن نوري السعيد: أن عبدالله كان الولد المفضل لأبيه، بينما كن فيصل غير مقرب إليه. أما علي فكثيراً ما كان الخصام يحصل بينه وبين زوجة أبيه عادله هانم على إدارة البيت، ولهذا كان علي يكره ابنها زيد، بينما كان فيصل يحبه (6)..

طال بقاء الحين في إسطنبول نحو سبعة عشر عاماً. ولم تكن حياته فيها مرفهة بالدرجة المناسبة لمركزه. تروي المسز أرسكين عن فيصل أنه قال في وصف حياتهم في إسطنبول: “إنها كانت ضيقة شاقة، فم يكن يتوفر لنا اللحم فيها إلا مرة واحدة في الأسبوع الواحدة (7). ويقول عبدالله في مذكراته:” أما إقامتنا في إسطنبول فكانت إقامة جبر وإكراه ن وإقامة تعلم وعبر…”(8)

المراجع:
(1)أنيس صائغ (الهاشميون والثورة العربية الكبرى)-بيروت 1966-ص34-35.
(2)ثقلاً عن الكتاب المخطوط للسيد هبة الدين الشهر سناني.
(3)عبدالله بن الحسين (مذكراتي)-القدس 1945-ص12.
(4)أمين الريحاني(فيصل الأول)-بيروت1945-ص12.
(5)سليمان موسى (مذكرات الأمير زيد)عمان 1976-ص،213
(6) Burgoyne (Gertrude Bell) London 1961- vol. 2, p.245.
(7)أرسكين (فيص ملك العراق –ترجمة عمر أبو النصر –بيروت-1934-ص33
(8)عبدالله بن الحسين (المصدر السابق)-ص17

قد يعجبك ايضا