حديث الصحف الإسرائيلية عن الحوثي “الموضوع أكبر من مجرد تحذير”

المساء برس – خاص – المحرر السياسي/ أعادت حركة الكيان الصهيوني الأخيرة بشأن اليمن والمتمثلة بنشر أخبار زعيم حركة أنصار الله عبدالملك الحوثي في صحفها الرئيسية متحدثة عن خطر خطابات وتوجهات الحوثي وأنها تهدد إسرائيل، أعادت هذه الحركة إلى الأذهان ما حدث بين الدول العربية في ستينيات القرن الماضي وبين الكيان الصهيوني فيما عرف حينها بقضية نهر الأردن.

حين كانت الولايات المتحدة غارقة في حرب فيتنام في إطار الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي، كانت في نفس الوقت تبحث لها عن موطئ قدم في الشرق الأوسط، فأوعزت الأمر إلى إسرائيل، سعت إسرائيل إلى استثارة العرب عبر التخطيط للاستحواذ على مياه نهر الأردن.

نهر الأردن مهم جداً بالنسبة لكل من سوريا والأردن ولبنان وفلسطين بما فيها الأراضي المحتلة حينها، فقررت إسرائيل إنشاء أنابيب لسحب المياه من نهر الأردن وتغذية مناطق وأراضي فلسطينية محتلة كانت إسرائيل تهدف من خلالها إلى جذب اليهود من بقية دول العالم وزيادة عددهم داخل الأراضي المحتلة، وبالتالي زيادة ثقلها في المنطقة.

إزاء التحركات الإسرائيلية دعا الرئيس المصري جمال عبدالناصر إلى عقد مؤتمر غير معلن بين (مصر، سوريا، لبنان، الأردن، العراق)، واتفقوا في المؤتمر على تشكيل الجيش العربي المشترك أولاً، بالإضافة إلى أنه تم الاتفاق على إنشاء مشاريع ري في الأردن ولبنان وسوريا، وتتقاسم الدول المجتمعة تكلفتها المالية، بهدف استغلال مياه نهر الأردن قبل أن تستغلها إسرائيل.

في اليوم الثاني لهذا الاجتماع تم تسريب مخرجات المؤتمر إلى إسرائيل وقامت الأخيرة باستغلال الوضع ونشرت في صحفها أن العرب يخططون لمحو إسرائيل من الخارطة، كما بعثت إلى واشنطن بالمعلومات التي حصلت عليها بشأن اجتماع العرب لبحث قضية نهر الأردن لكن بعد أن حرفت تلك المعلومات واقتطعت أجزاءً منها، وأخبرت واشنطن بأن العرب يريدون – بالحرف الواحد – “محو إسرائيل من على الخارطة وطردهم إلى البحر”، وبالتزامن مع خطاب تل أبيب لواشنطن، اشتغلت الصحف الإسرائيلية حينها على مسألة تهديد العرب لإسرائيل والسعي لطرد اليهود من “أرضهم”.

ورغم أن الكيان الصهيوني كان يضمن جيداً أن الرئيس الأمريكي حينها “ليندون جونسون” حليف قوي لإسرائيل، إلا أن التهويل والحملة الإعلامية كان الغرض منها ليس إقناع جونسون بدعم إسرائيل بالسلاح بل إقناع الكونجرس الأمريكي الذي كان يرفض تسليح إسرائيل حينها، وبسبب تلك الحملة استطاع جونسون إقناع الكونجرس السماح لواشنطن بتسليح إسرائيل، وبالفعل تمت الموافقة، وتم تسليح إسرائيل واحتلت إسرائيل بعد أشهر سيناء وقناة السويس في مصر فيما يعرف بنكسة 67م.

وبالعودة إلى حديث الصحف الإسرائيلية اليوم وتناولها في أكثر من صحيفة مشهورة داخل إسرائيل أبرزها “يديعوت أحرنوت” لزعيم حركة أنصار الله عبدالملك الحوثي وتهويل الموقف وسعيها الواضح للقول بأن الحوثي وجماعته باتوا يشكلون خطراً وتهديداً لإسرائيل وأمنها؛ فإنها تسعى لنفس الهدف الذي كانت تسعى إليه في حملتها الإعلامية ضد العرب قبل حرب 67م، وهو القول بأن هناك خطراً يهدد إسرائيل ووجودها – وبالتالي تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة – ومثلما كان الهدف الإسرائيلي قبل 67م إقناع الكونجرس الأمريكي بضرورة دعمها بالسلاح، تأتي اليوم مستخدمة نفس الأسلوب – الإعلام – لتحقيق نفس الهدف – إقناع الكونجرس الأمريكي والتأثير عليه – ولكن هذه المرة ليس لدعمها بالسلاح، بل لتحذير الكونجرس الأمريكي والبيت الأبيض من خطورة جماعة أنصار الله في اليمن.

الإشارة والمغزى من حركة إسرائيل الأخيرة بنشر أخبار الحوثي والتحذير من مساعي جماعته وتهديدها لإسرائيل، بالإضافة إلى اختيار هذا التوقيت تحديداً، هذا المغزى – الذي لا يدركه ويفهمه إلا قلة من السياسيين – هو باختصار “تحذير لأمريكا من أن تسمح بحل سياسي في اليمن يسمح ببقاء جماعة الحوثي”.

أما بالنسبة للتوقيت الذي اختارته إسرائيل فهو لا يرتبط بخطاب عبدالملك الحوثي الأخير والذي تحدث فيه عن الخطر الإسرائيلي، والمعروف عن الحوثي وكل خطاباته السابقة أنها تتطرق دائماً إلى خطر إسرائيل ومع ذلك لم يحدث أن تناولت الصحافة الإسرائيلية هذه الخطابات وبالكثافة التي تناولتها أمس.

سبب التوقيت الإسرائيلي للتحذير من جماعة أنصار الله باختصار هو قرار مجلس النواب الأمريكي (الكونجرس) الذي صوت قبل نحو عشرة أيام وبغالبية ساحقة على منع مشاركة الولايات المتحدة في الحرب على اليمن.

“خلاصة”

أدركت إسرائيل من قرار الكونجرس الأخير أن واشنطن قد تنأى بنفسها عما يحدث في اليمن داخلياً من جهة، وما يحدث بين اليمن والسعودية من توتر متزايد ومتصاعد على الحدود بين البلدين من جهة ثانية، وبالتالي عدم حدوث تدخل أمريكي عسكري مباشر في اليمن – تحديداً في الساحل الغربي – وهو ما لا ترغب به إسرائيل، فالأخيرة من مصلحتها أن تتدخل واشنطن عسكرياً في اليمن كون هذا التدخل سيسمح لها – أي إسرائيل – بإعادة التفكير في السيطرة على الجزر اليمنية الممتدة بطول الساحل الغربي، وهو مطمع وهدف استراتيجي إسرائيلي قديم سعت إسرائيل لتحقيقه منذ السبعينات وحتى تسعينات القرن الماضي مستغلة حادثة احتلال أرتيريا لجزيرة حنيش الكبرى عام 1995م التي كان لإسرائيل دور كبير فيها.

التصنفيات: أصداء

كلمات مفتاحية: